الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
182
تفسير روح البيان
إذ أقبلت هوادج هارون فكف صبيان عن الولوع به فلما جاء هارون نادى بأعلى صوته يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين فكشف هارون السجاف بيده وقال لبيك يا بهلول فقال يا أمير المؤمنين حدثنا أيمن بن نائل عن قدامة بن عبد اللّه العامري قال رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم يمضى على جمل وتحته رحل رث فلم يكن ضرب ولا طرد ولا إليك إليك وتواضعك في سفرك هذا يا أمير المؤمنين خير لك من تكبرك فبكى هارون حتى سقطت الدموع على الأرض وقال يا بهلول زدنا يرحمك اللّه فقال هب انك قد ملكت الأرض طرا * وان لك العباد فكان ماذا أليس غدا مصيرك جوف قبر * ويحثو الترب هذا ثم هذا فبكى هارون ثم قال أحسنت يا بهلول هل غيره قال نعم يا أمير المؤمنين رجل آتاه اللّه مالا وجمالا فانفق في ماله وعف في جماله كتب في خالص ديوان اللّه من الأبرار فقال أحسنت يا بهلول ثم امر له بجائزة فقال أردد الجائزة إلى من أخذتها منه فلا حاجة لي فيها قال يا بهلول ان يكن عليك دين قضيناه قال يا أمير المؤمنين لا يقضى دين بدين أردد الحق إلى أهله واقض دين نفسك يا أمير المؤمنين من نفسك قال يا بهلول فنجرى عليك ما يكفيك فرفع بهلول رأسه إلى السماء ثم قال يا أمير المؤمنين انا وأنت من عيال اللّه تعالى فمحال ان يذكرك وينسانى فاسبل هارون السجاف ومضى والمقصود من هذه الحكاية بيان استماع هارون الحق وقبوله وذلك لأنه كان كالمكان الزاكي وقلبه حيا بالحياة الطيبة فلذا لم يخرج منه الا الأخلاق الحميدة واما ارض النفس الامارة التي هي البلد الخبيث فلا يخرج منها الا الأخلاق الذميمة والافعال الرديئة فمن كان قلبه حيا بنور اللّه انعكس نور قلبه على نفسه فتنورت النفس فتبدلت أوصافها بأوصاف القلب وتلاشت ظلمتها بنور القلب فيطمئن إلى ذكر اللّه وطاعته كما هو من أوصاف القلوب وان كان القلب ميتا والنفس حية فظلمات صفات النفس تطل على القلب وتبدل صفاته بصفاتها عند استيلاء صفاتها عليه فيحصل اطمئنانه بالدنيا وما فيها نسأل اللّه تعالى ان يجعل اطمئناننا إلى ذكره وفكره وشكره ويجعلنا من الذين يعرفون قدر نعمة اللّه وحق المنعم لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ جواب قسم محذوف تقديره واللّه لقد أرسلنا نوحا وهو ابن لملك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي بن يرد بن مهلابيل بن قينان بن انوش بن آدم عليهم السلام ونوح أول نبي بعد إدريس بعد شيث وكان نوح نجارا بعثه اللّه إلى قومه على رأس أربعين سنة وكان عمره ألفا ومائتين وأربعين سنة وفي التفسير الفارسي إِلى قَوْمِهِ [ بسوى قوم أو كه أكثر أولاد قابيل بودند وبت مىپرستيدند ] وذلك ان قابيل لما قتل أخاه هابيل طرده آدم فسكن مع أولاده واتباعه في اليمن وهو أول من عبد الصنم فَقالَ اى نوح يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده فان العبادة بالاشراك ليس من العبادة في شئ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ اى من مستحق للعبادة وغيره بالرفع صفة لا له باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء ومن زائدة في المبتدأ والخبر لكم إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ اى ان لم تعبدوه حسبما أمرت به وهو بيان للداعي إلى عبادته عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ اى عذاب يوم القيامة أو يوم الطوفان قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ